الأشکال النحتية الحديثة ودورها في تطور الأشکال المعمارية المعاصرة

نوع المستند : مقالات علمیة محکمة

المؤلف

أستاذ مساعد بقسم التربية الفنية کلية التربية الأساسية – دولة الکويت

الموضوعات الرئيسية


مقدمة:

النحت منذ عرفه الإنسان هو عملية بناء سواء کان نحتا على الأحجار أو تشکيلا بمواد لينة أو ترکيب أو تجميع، والنحت ليس فقط تمثالا أو * أو جسما تمثيليا لکائنات الطبيعة، لکن النحت هو رؤية شاملة لأي مجسم يحتل فراغا في الکون، ولقد فقد مصطلح النحت الکثير حيث تم حصره فقط في الأجسام سواء کانت إنسانية أو حيوانية أو غيرها من الکائنات.

وللنحت صلة وثيقة عبر التاريخ بفکرة وجود الأبنية التي استخدمت في أنشطة الحياة دينية أو احتفالية أو جنائزية أو سکنية أو تعليمية وغيرها.

وکذلک خسر مجال البناء الکثير من قسم ا لأبنية المؤهلة للاستخدام إلى جزء أطلق عليه العمارة وآخر أطلق عليه النحت، وهو تصنيف غير معبر عن طبيعة الترکيب البنائي لتلک المجسمات، وبدء انهيار المستوى الفکري والتشکيلي للأبنية بمختلف هيئاتها حيث استبعد النحات من المشارکة في صياغة المنطق الفکري والتشکيلي لتلک الأبنية.

والعلاقة بين النحت والعمارة ليست على الإطلاق جدار أو تمثال أو حائطا وتشکيل بارز وغائر، إنما العلاقة بين النحت والعمارة هي فلسفة الوجود المکاني وأثر کل حجم وکل ضوء
على النفس.

أصبح أقصى طموح للنحات المعاصر هو الحصول على فرصة لتنفيذ ما أطلق عليه مکملات العمارة أو تصميم جدارية على حائط في أحد الأبنية أو وضع تمثال في مدخل بناء أو مطار أو مصنع.

لکن في حقيقة الأمر أن النحت والعمارة هما شيء واحد لا يمکن الفصل بينهما لکن الهدف هو الحصول على کيان متماسک يحقق الرءوس الفلسفية والقيم الجمالية.

ولعل العمل النحتي الکبير لمؤسسته دار التحرير شکل (1)

وهو عبارة عن کتاب مصنوع والفتحات تمثل الأسطر الأفقية والذي قام بتصميمه، المهندس المعماري (علي رأفت) وهو عمر تأثر کثيرا بأعمال النحاتين، مما جذب الباحث لتعرف على مثل هذه الأعمال التي تأثرت تأثر کبير بالنحت والنحاتين، هذا بالإضافة إلى التزامن بين کلا من (فناني البان هاوس Banhouse) (أوسکار شليمر Oskar Schelemmer) و (الکساندر أرشبينکو Alexander Archipenko ) في بداية العشرينات من القرن العشرين إلى صياغة کتل نحتية تشخيصية ذات طابع معماري منحوت في تکتلها وعلاقاتها بالفراغات والضوء الداخلي والخارجي على عمارات الکتل النحتية التشيصية، ويتحول النحت الکتل المعمارية بدرجة أکبر في أعمال النحات (جاک ليبشز) "Jacques Lipchits" في منتصف عشرينات القرن الماضي، ويبلور کونتانتين برانکوزي "Constantin Brancusi" کتلا معمارية بلا فراغ أشبه بالنحت الأشوري أو المصري القديم، اللذان تلازما وطوعا لهيئات معمارية وقدم الفنان عمله الشهير العمود اللا نهائي عام 1936. ([1])

کذلک قدم لنا (هنري موتي Henry Moote) أعمال نحتية معمارية عضوية التکوين، وصاغ لنا الفنان (هنريکي Henrici) کتلة نحتية معمارية تعد وصفا بصريا ثلاثي الأبعاد في صرح معماري للمتحف البريطاني بلندن شکل (2).

هذا وقد تعاون المهندس المعماري (جمال بکري) مع عدد من الفنانين والنحاتين مثل الفنان (فاروق إبراهيم) الذي أعد کتلة نحتية لأحد التصميمات المعمارية في منتصف الستينات، وتعد تعاون الثمانينات أيضا (مصطفى الرزاز) في ابتکار مشاريع ابتکارية جدارية وميدانية في الهواء الطلق،
وقد بنى الفنان (صالح رضا) قرية سياحية کاملة في (طابا) بسيناء اعتمادا على تصورات النحتية الملونة.
([2])

فمن المعماريين من يعبر عن ذات بالنظر إلى أهمية التواصل مع المتلقي وهو يتعامل مع الناتج المعماري على أنه تکوينات فنية إنشائية نحتية تعبر عن ذات المبدع، لذا فمن الضروري عند إنشاء الأعمال المعمارية ضرورة الرجوع إلى الفنانين النحاتين لوقوف على بعض أعمالهم وتصميماتهم حتى تنفذ وظيفيا ويکون البناء المعماري کتلة نحتية بمقياس حقيقي ناجح جماليا.

 

شکل (1) مؤسسة دار التحرير ( جريدة الجمهورية )

 

شکل (2) متحف الفن البريطاني ( لندن )

ولعل متحف (سان فرانسيسکو) للفنون الحديثة بأمريکا شکل (3) يعطينا أکبر المثل على تعاون المعماري مع النحات الحديث حيث استخدم الألوان بشکل أساسي حتى يعطي الأثر النفسي والبصري القلوب المشاهدين، واستخدم اللون الأحمر المبهج بشکل أساسي مع استخدام مسطحات مبسطة تبرز قيمة اللون، کما استخدامه فناني المدرسة البنائية التي تميز ت أعمالهم بالتبسيط بلغة معمارية شکلا ووجدانا وموضوعا.

مشکلة البحث:

کيف يمکن الاستفادة من المنحوتات الحديثة في تطوير العمارة المعاصرة؟

أهداف البحث:

1.  التعرف على مفهوم کلا من النحت والعمارة.

2.  إبراز القيم الجمالية في النحت وعلاقته بالعمارة المعاصرة.

3.  الاستفادة من الإمکانيات التشکيلية في النحت الحديث في إثراء العمارة المعاصرة.

أهمية البحث:

1.  التعرف على العلاقة الوطيدة بين النحت والعمارة وتأثر کل منهما بالآخر وعلاقة کلا منهما بالفراغ المحيط به.

2.  الکشف عن إمکانية الاستفادة من الخامات والأساليب والطرق النحتية المختلفة لإنتاج أعمال نحتية معاصرة.

3.  التعرف على أهم المؤثرات التي أدت إلى تأُثير العلاقة بين النحت الحديث والعمارة المعاصرة.

فرص البحث:

- يفترض البحث أن هناک علاقة إيجابية بين تطور العمارة المعاصرة والنحت الحديث.

حدود البحث:

1.  نماذج من الأعمال المعمارية التي ارتبطت بالنحت في القرن العشرين والحادي والعشرين.

2.  الاستفادة من أهم الأعمال المعمارية التي نفذت متأثرة بالنحت الحديث في کل من البلاد العربية والغربية وشرق آسيا.

3.  التعرف على بعض الفنانين الذين ارتبطت أعمالهم بالعمارة.

التحام النحت والعمارة:

من المهم على المعماري الوعي بالمسئولية الاجتماعية الإنسانية وکذلک بالبيئة العمرانية التقليدية مما دفع بعض المعماريين إلى الاتجاه نحو التعددية الإنسانية باحتضان مجالات الفن المتنوعة ومنها بالطبع فن النحت استجابة إلى احتياجات الإنسان النفسية بجوار احتياجاته المادية وذلک بالرجوع إلى النحات المبدع، والتنسيق معه لإبداع کتلة معمارية لها فکر حديث.

کما أن المعماري يستعين في تصميماته بمعظم الخامات التي يستخدمها النحات الحديث من مواد تلائم الإنسان المعاصر، وعلى هذا يجب التعرف على أهم الاتجاهات العملية والتکنولوجية الحديثة التي تنتج أشکال مبهرة لأعمال نحتية انتفاعية، حيث اتجهت العمارة إلى امتناع المتلقي بالعمارة بدمجها مع النحت الواقعي لأشياء مألوفة لديه وقد استعمل القطع النحتية کوحدات معمارية في الأعمدة والمداخل.

وقد کان الفنان المعماري (هرمان فنستلين Hermean Finsterlin) تصميماته عضوية کجزء من الطبيعة، وکان المبني في نظرة کائن حي متحرر من قيود الزوايا القائمة، وقد أحب هذا المعماري أن يتحرر البشر من المعيشة في مکعبات محددة، بالنسبة له "کان المبنى هو عمل يجمع کل الفنون وهو عبارة عن نحت ضخم مفرغ ذو احتمالات غير محددة للشکل الخارجي والداخلي"([3])

وقد ظهرت الاستمرار الفراغية المادية في متحف (جوجنهايم Guggenheim Museum) شکل (4) حيث أضاف إليه عنصر الحرکة الديناميکية وذلک لتأکيد عملية التواصل بين أجزاء الفراغ المختلفة، ويظهر ذلک واضحا في أوبرا سيزني شکل (5).

ولعل معرض العمارة بأبوي النحاتين يعکس دور النحات في تطور واستحداث هيئات معمارية حديثة، فنجد الفنان (أحمد فرغلي) يصمم مسجدا برؤية حديثة تحافظ على البعد الروحاني من ناحية وعلى التراث من ناحية أخرى، وهو عبارة عن کتلة کروية مقسومة إلى نصفان عموديا بعد إزاحتها لتتفتح على الفراغ السماوي بتفاصيلها البارزة وفتحاتها المقوسة التي تمهد لسقف خشبي، وعن تمکين بقول الفنان (ليست رائحة السقف الخشبي کرائحة الخرسانة، ليس أن تسند ظهرک إلى حائط ما مطلي بشيء ما کما تسنده إلى حائط حجري قديم، ليس أن تسمع صدى الآذان في قبة مسجد کما نسمعه بأي طريقة أخرى) ([4]) شکل (6)

 

شکل (3) متحف ( سان فرانسيسکو ) للفنون الحديثة الولايات المتحدة الامريکية

 

شکل (4) متحف جوجنهايهم

 

شکل (5) اوبرا سيدني ( استراليا )

وقد دلنا الفنان (حسن کامل) لرؤيته بقوله "أنا في نحتي.. حلم النحات الدائم أن يرى ما يفکر فيه ويتخيله متجسدا في الفراغ، يتحرک حوله ويتلمسه يتطلع إلى بدايته ونهايته، يعين حوله ويستمتع بنظره إليه، أنت جزء من نحتک، نحتک يحتويک"([5]) شکل (7)

أما (سعد بدر) المثال فيقدم لنا القيم البصرية للتشکيل بين النحت والعمارة في عمله شکل (8) وهو محاولة للتزاوج بين النحت والعمارة وهدفه هو إيجاد صياغة کلية لمعالم الرؤية المعمارية المصرية من خلال التجارب التشکيلية المعاصرة للنحات، وقد أخضع تجربته في تشکيل الحجار الصلدة لصياغة المدينة المصرية المعاصرة.

وحول تحقيق الحلم يقدم الفنان (شمس الدين القرنفلي) عملا يقول عنه "کلما قاربت من الانتهاء من أحد تماثيلي داخل مرسمي تمنيت في قرارة نفسي أن يخرج هذا العمل إلى الفراغ الأرحب ليتوائم مع بيئته الطبيعية بمفهوم العمارة. وما زال الحلم قائم"([6])شکل (9)

   أما المثال (طارق الکومي) الذي تمثل أعماله النحتية إلى التلخيص الشديد للکتلة واختزال التفاصيل مهتما باحتفاظ العمل الفني بالطاقة الکافية بداخله مبتعدا عن شغل المتلقي بالتفاصيل.

وفي عمله شکل (10)  يرکز في العلاقة المباشرة بين النحت والعمارة حيث يعتقد أن يتم تقييم وتذوق أعمال العمارة الجيدة بمدى قدرتها على تقديم عمل معماري منحوت في الفراغ.

 

شکل (6) المثال أحمد قرعلى ( مسجد برؤية حديثة )

 

شکل (7) المثال حسن کامل ( حلم النحات )

 

شکل ( 8) سعيد بدر (التزواج بين العمارة والنحت )

 

 

شکل (9) شمس الدين القرنفلى ( تحقيق الحلم )

 

شکل (10) المثال طارق الکومي ( عمل معماري منحوت في الفراغ )

 

شکل (11) المثال عصام درويش ( ضوء الشمس )

- ويقدم لنا المثال (عصام درويش) شکل (11) رؤية جديدة مبنية على أشکال هندسية مجردة فکرة وجودها تقوم على أساس تفاعل مسطحاتها بشکل واضح وصريح مع ضوء الشمس، وهي رؤية معمارية لمحاولة الوصول بالشکل النحتي المجرد القائم على قوانين وحسابات رياضية مطلقة إلى إدراک قيم أکثر عمقا بالشعور والوجدان.

- أما الفنان المثال (علاء عبد الحميد) شکل (12) يهتم في منحوتاته بأزمة الإنسان المعاصر ويقوم بمحاولات لإيجاد حلول بصددها، لا بد من کتل تدفع وکتل تمتص قوة الدفع حتى يتحقق الاتزان، انطلاقا من أن لکل فعل رد فعل ويقول عن عمله "تخيلي للمبنى الذي سينفذ انطلاقا من هذه الکتلة- أن تم تنفيذه- أنه سيکون مبنى إداري، يقف في المستقبل شاهدا".

وشکل (13) للفنان (ناثان دوس) يبين لنا أن الطبيعة هي الأم من خلال رصده لمجموعة مختلفة من العلاقات المختلفة في الطبيعة کالعظام والأحجار والنباتات والحشرات والقواقع يستلهم عنها ويبدع أشکال مغايرة عن المألوف، فمثلا يستلهم عمله الفني من التشعبات الموجودة على جناح فراشة، أو حشرة ومن هنا تأتي فکرة.

ويقدم لنا الفنان (هشام عبد الله) رؤية لعمارة الحديثة بمرحلة من مراحله التي ارتبطت بمفردات الريف من مشاهد بصرية غاية في البساطة والهدوء، فشکل الساقية التي تتألف شکل دائري مقسم لأربعة أجزاء تتکرر بالتساوي يرى فيها حوارا جماليا ولغة مشترکة على أساس التکرار ولعل العمارة الحديثة في حاجة ماسة للتنوع والتجدد شکل (14).

وخير دليل على امتزاج العمارة بالنحت وأن النحت له تأثير کبير على معماري البناء الحديث الأشکال الآتية من (15- 22)

 

 

 

 

التوصيات:

1.  يوصي الباحث بأن النحت والعمارة هما شيء واحد لا يمکن الفصل بينهما.

2.  فنون البناء بجميع أغراضها هي فنون جامعة تضم عمليات النحت والعمارة وتنسيق الموقع.

3.  يوصي بعدم الفصل بين المکونات الثلاثة النحت والعمارة والموقع منهم کيان متماسک يحقق رؤية جمالية.

4.  يتعاون النحات والمعماري کفريق عملي في عمليات التصميم والتنفيذ والدراسات العلمية.



[1])) مصطفى الرزاز: الخيال المعماري للنحات، کتالوج العمارة بأيدي النحاتين، قطاع الفنون التشکيلية، وزارة الثقافة، 2012، ص14.

[2]))مصطفى الرزاز:المرجع السابق ، ص 17

([3]) Sbarp. D: Modern Atchitecture and Expressionism, Longmans, London, 1966, p98.

[4])) کتالوج معرض العمارة بأيدي النحاتين، قطاع الفنون التشکيلية، وزارة الثقافة 2012 ، ص 50

[5]))المرجع السابق ، ص 62

[6])) المرجع السابق، ص86.

الکتب والمراجع:
أولا: مراجع عربية:
1.   جمال بکري: العمارة العقل والوجدان، القاهرة، 2012.
2.   زکريا إبراهيم: فلسفة الفن والفکر المعاصر، مکتبة مصر، القاهرة، 1966.
3.   علي رأفت: عمارة المستقبل، مرکز أبحاث اترکونت، مطابع المقاولون العرب، القاهرة، 2007.
4.   علي رأفت: المضمون والشکل، مرکز أبحاث انترکوست، مطابع المقاولون العرب، القاهرة، 2007.
ثانيا الرسائل العلمية:
5.   أحمد حواس: العلاقة التکاملية بين النحت والعمارة في الفترة المعاصرة، رسالة ماجستير غير منشورة، کلية التربية الفنية، جامعة حلوان، 1999.
6.خليفة عبد السلام: صيغ تشکيلية خزفية معاصرة من خلال استلهام جماليات الأشکال المعمارية، رسالة دکتوراه غير منشورة، کلية التربية الفنية، جامعة حلوان، 1999.
7.شحاتة أحمد عبد الرحيم: العلاقة التکاملية بين فن النحت والعمارة في الحضارة المصرية القديمة، رسالة ماجستير غير منشورة، کلية الفنون الجميلة، جامعة حلوان، 1998.
8.   مروة أبو الفتوح: التشکيل النحتي والعمارة، رسالة ماجستير غير منشورة، کلية الفنون الجميلة، جامعة حلوان، 2007.
ثالثا: مراجع أجنبية:
1-     Sbarp. D. Modern Architecture and Expressionism, Longmans, London, 1966.
2-     Spade, R.panl: Rudolph thames and Hudson, London, 1977.
3-     Harry N, Abrams, LNC New York, stokstad Marilyn: Art Mistory, Second, Edition, Volume, 2002.
4-      کتالوج معرض العمارة بأيدي النحاتين، قطاع الفنون التشکيلية، وزارة الثقافة، 2012.